عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

47

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وأشار سليمان بسحنون وأشار غيرهما بسليمان فأدخلوا فرادى فقالوا كقولهم الأول ، وذلك أن أكثر الفقهاء إذ ذاك على رأي الكوفيين . وكان سليمان يرى رأيهم . وقال سليمان : ما ظننت أنّه يشاورني في سحنون حججت فرأيت أهل مصر يتمنون أن يكون بين أظهرهم وما يستحقّ أحد القضاء وسحنون حيّ . وقال سليمان بن سالم : لما قدّم سحنون سار حتى دخل على ابنته خديجة ، وكانت من خيار النّاس فقال لها : اليوم ذبح أبوك بغير سكين ، فعلم الناس أنه قبل القضاء ، إذ كان كئيب الوجه ما يتجرّأ أحد على كلامه لهيبته . وجاءه عون بن يوسف ، فقال له : نهنّيك أو نعزّيك ؟ ثم سكت فقال : بلغني أنه من أتاه بغير مسألة أعين عليه ، ومن أتاه عن مسألة لم يعن عليه . وكتب إليه عبد الرّحيم بن عبد ربّه الرّبعيّ الزاهد : أمّا بعد فإنّك كنت تنظر للناس في مصالح أخراهم فصرت تنظر في مصالح دنياهم فأي الحالتين أفضل والسّلام . فكتب إليه سحنون : أما بعد فإن كتابك جاءني وفهمت ما ذكرت ، وإني أجيبك : لا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب ، وأمّا ما ذكرت من أني كنت انظر للناس في مصالح أخراهم ، فصرت انظر في مصالح دنياهم فاعلم أنّه لا تصلح للناس أخراهم حتى تصلح لهم دنياهم ، آخذ لضعيفهم من قويّهم ، ومن ظالمهم لمظلومهم ، وأنا لم أزل مبتلى ينفّذ قولي منذ أربعين سنة في الفتيا ، فأنا منذ أربعين عاما قاضيا ، لأن قول المفتي يمضي في أشعار المسلمين وأبشارهم ، ومع هذا فإني قد ابتليت فقدمت جبرا ، فألزم نفسك بالدعاء لي والسلام . وكان لا يحكم في الحسبة وإنما قدّم عليها أمناء ، وأول من نظر فيها هو إذ كانت قبل للأمراء دون القضاة ، وأول القضاة ، فرّق أهل البدع من الجامع ، وكانوا فيه حلقا من الصفرية ، والإباضية ، والمعتزلة ، وأدّب جماعة منهم لمخالفتهم أمره وأطافهم ، وأمرهم أن لا يجلسوا في حلقة . [ أول من جعل بالجامع إماما للصلاة وكان الأمراء هم الأئمة ] وهو أوّل من جعل في الجامع إماما يصلّي بالنّاس إذ كان للأمراء وأوّل من جعل الودائع عند الأمناء وكانت قبل في بيوت القضاة وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه إذ رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم ، فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما ، وكانت قضاة المالكية يحكمون فيها بعده ، وإذا ولي عراقي هدمها ، وإذا ولي مدني بناها . وأمّا ما جرى له مع ابن أبي الجواد وضربه له